الشيخ محمد علي الأنصاري
326
الموسوعة الفقهية الميسرة
في التنبيه الخامس من تنبيهات البراءة « 1 » ، ثم توسع فيه المتأخّرون عنه ، وجعلوه في التنبيه الأوّل منها . ونحن لا نرى من المناسب أن نتورّط في دقائق ما ذكره بعضهم ، وإنّما نذكر المهم من نقاط هذا البحث الذي هو أقرب إلى الواقع الخارجي . وقبل الورود في البحث لا بد من بيان مقدمتين : المقدّمة الأولى - في بيان حقيقة التذكية ما هي ؟ هناك عدة اتجاهات في بيان حقيقة التذكية : الاتجاه الأوّل - وهو أنّ التذكية عبارة عن مجموع عمليّة الذباحة بشروطها - من شروط الذابح والآلة - مع قابليّة المذكّى للتذكية . الاتجاه الثاني - وهو أنّ التذكية عبارة عن عمليّة الذباحة بشروطها ، وأما قابليّة المحلّ - المذكّي - للتذكية فهي خارجة عن حقيقة التذكية ؛ لكنّها مؤثرة في تأثير الذباحة في الطهارة والحلّية . الاتجاه الثالث - وهو أنّ التذكية عبارة عن معنى بسيط حاصل من مجموع عمليّة الذباحة بشروطها مع قابليّة المحل للتذكية ، مثل الطهارة الوضوئية الحاصلة من الغسلات والمسحات . ذكر هذه الاتجاهات الثلاثة العراقي « 1 » ، واختار منها الثاني ، كما اختاره النائيني « 2 » بعد أن اكتفى بذكر الاتجاهين الثاني والثالث . ثمّ إنّهما استدلا على ذلك بقوله تعالى : إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ « 3 » حيث نسب التذكية فيه إلى الفاعلين ، فاستظهرا من ذلك كون التذكية من فعل الفاعل ، أي المذكّي . لكن ناقش السيد الخوئي « 4 » هذا الاستظهار من حيث إمكان إسناد الفعل التسبيبي إلى المكلّف من دون مسامحة وعناية ، مثل أن يقال : « زيد ملك الدار » مثلا ، فينسب المسبّب إلى الفاعل إضافة إلى السبب وهو العقد هنا . وأمّا هو فقد استظهر أن تكون التذكية معنى بسيطا حاصلا من مجموع الذبح بشرائطه التي منها قابلية المحلّ للتذكية ، مثل الطهارة الحاصلة من الوضوء أو الغسل ، والملكيّة الحاصلة من الإيجاب والقبول .
--> ( 1 ) فقال : « الخامس - أنّ أصالة الإباحة في مشتبه الحكم إنّما هو مع عدم أصل موضوعي حاكم عليها ، فلو شكّ في حلّية أكل حيوان مع العلم بقبوله للتذكية جرى أصالة الحلّ ، وإن شك فيه من جهة الشك في قبوله للتذكية ، فالحكم الحرمة ، لأصالة عدم التذكية ، لأنّ من شرائطها قابلية المحلّ وهي مشكوكة ، فيحكم بعدمها وكون الحيوان ميتة . . . » فرائد الأصول 2 : 109 . 1 انظر نهاية الأفكار 3 : 255 - 257 . 2 انظر فوائد الأصول 3 : 381 - 382 . 3 المائدة : 3 . 4 انظر موسوعة الإمام الخوئي ( مصباح الأصول ) 47 : 359 - 360 .